الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

203

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

منهم الجمعة إقبالا على عير تجارة وردت كما سيأتي في قوله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [ الجمعة : 11 ] . ومثل البيع كل ما يشغل عن السعي إلى الجمعة ، وبعد كون البيع وما قيس عليه منهيا عنه فقد اختلف في فسخ العقود التي انعقدت وقت الجمعة . وهو مبني على الخلاف في اقتضاء النهي فساد المنهي عنه ، ومذهب مالك أن النهي يقتضي الفساد إلا لدليل . وقول مالك في « المدونة » : إن البيع الواقع في وقت صلاة الجمعة بين من تجب عليهم الجمعة يفسخ . وقال الشافعي : لا يفسخ . وجعله كالصلاة في الأرض المغصوبة وهو قول أبي حنيفة أيضا . وأما النكاح المعقود في وقت الجمعة : ففي « العتيبة » عن ابن القاسم : لا يفسخ . ولعله اقتصر على ما ورد النهي عنه في القرآن ولم ير القياس موجبا لفسخ المقيس . وكذلك قال أئمة المالكية : لا تفسخ الشركة والهبة والصدقة الواقعة في وقت الجمعة وعللوا ذلك بندرة وقوع أمثالها بخلاف البيع . وخطاب الآية جميع المؤمنين فدل على أن الجمعة واجبة على الأعيان . وشذ قوم قالوا : إنها واجبة على الكفاية قال ابن الفرس : ونسب إلى بعض الشافعية وخطاب القرآن الذين آمنوا عام خصصته السنة بعدم وجوب الجمعة على النساء والعبيد والمسافر إذا حل بقرية الجمعة ومن لا يستطيع السعي إليها . و مِنْ في قوله : مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ تبعيضية فإن يوم الجمعة زمان تقع فيه أعمال منها الصلاة المعهودة فيه ، فنزّل ما يقع في الزمان بمنزلة أجزاء الشيء . ويجوز كون مِنْ للظرفية مثل التي في قوله تعالى : أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [ فاطر : 40 ] ، أي فيها من المخلوقات الأرضية . والإشارة ب ذلِكُمْ إلى المذكور ، أي ما ذكر من أمر بالسعي إليها ، وأمر بترك البيع حينئذ ، أي ذلك خير لكم مما يحصل لكم من البيوعات . فلفظ خَيْرٌ اسم تفضيل أصله : أخير ، حذفت همزته لكثرة الاستعمال . والمفضل عليه محذوف لدلالة الكلام عليه . والمفضل : الصلاة ، أي ثوابها . والمفضل عليه : منافع البيع للبائع والمشتري . وإنما أعقب بقوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ